السعيد شنوقة
267
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ينكروا هذا « 1 » فالوقاية على ضوء قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] محققة لأنها مبنية على العبادة التي إذا فعلها المرء يحصّل التقوى « 2 » فيحترز عن المضار . وليست العبادة هي الاحتراز عن المضار بل هي توجب الاحتراز وعبادة الله عز وجل فعل للاتقاء به عن عقابه ، وإذا قيل : إن فعل العبادة نفسه اتقاء فذاك مجاز لأن الاتقاء مخالف للفعل الذي سبّبه ؛ بيد أن ارتباط أحدهما بالآخر مكّن من إجراء اسمه عليه « 3 » . ثم إن خلق المكلّفين إنما هو للتقوى وللطاعة لقوله سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وقد قيل : إن معنى الآية أن الله غني عن خلقه وهم مفتقرون إليه لقوله عز وجل : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ الذاريات : 57 ] ؛ فكأن معنى الآية : وما خلقت الجن والإنس لينفعوني وإنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي « 4 » . قال الفخر الرازي في المعنى نفسه : كأن الله عز وجل أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا الغرض ونصّ على أنه تأويل مناسب لأصول الاعتزال « 5 » . وعلى هذا فاستعمال ( لعل ) هنا استعمال فاء السببية من ناحية أن تحقق السبب مرتبط بوجود سببه . ورأى المعتزلة في إطار ذلك أن الله تعالى لا يفعل بالعباد إلا ما هو أصلح لهم « 6 » . أما أهل السنة ففسروا ( لعل ) بالطلب لما في الترجي من
--> ( 1 ) انظر د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، مدخل ودراسة ، ص 301 . ( 2 ) يراد بالتقوى في الطاعة الإخلاص ، ويراد في المعصية الترك والحذر . والعبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه . انظر الجرجاني ، التعريفات ، ص 78 - 79 - 160 . ( 3 ) انظر فخر الدين الرازي ، مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 101 . ( 4 ) انظر إمام الحرمين عبد الملك ابن عبد الله الجويني ، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، علق عليه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1995 م ، ص 104 . ( 5 ) انظر مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص ، 101 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 1 ، ص 156 - 157 . ( 6 ) انظر الخياط ، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، ص 64 - ، 65 والأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص ، 313 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص ، 3 وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص ، 201 وإمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص ، 118 والشهرستاني ، الملل -